المذنبين، واستقباحهم عفو الله عنهم، وهم في ذلك مخطئون، والكريم إذا وعد أنجز وإذا أوعد عفا، فتلك صفة كما قال الشاعر (١):
وإني إذا أو عَدْتُه أو وَعَدتُه … لمخلفٌ إيعادي ومنجز موعدي
وقاله الشاعر يفتخر بأنه كريم حليم؛ إذا وعد لا يخلف وعده، وأما إذا أوعد بالعقاب فإنه يعفو ويصفح.
قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]، وإذا عفا عنهم وأخر عقابهم فهو سبحانه جدير أن يعفو عنهم يوم القيامة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكذلك الاستحسان في الشريعة قال به بعض الفقهاء، وهو أن يحكم بوجوب شيء أو تحريمه أو كراهيته أو استحبابه أو إباحته بالاستحسان العقلي، قالوا في تعريفه: هو حجة تنقدح في ذهن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنها، وجمهور علماء الأصول ينكرون هذا الاستحسان (٢)، ويحصرون الحجة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس على خلاف بينهم فيه. اهـ.
فائدة ثانية: قال محمد تقي الدين: من اتبع هواه في عبادة غير الله أو تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، أو رد شيئًا مما جاء به رسول الله، كالذين يقولون في هذا الزمان بتطور أصول الدين، والاجتهاد مع وجود النص والإجماع، كرفض الصيام في رمضان، بدعوى أنه لا يوافق العصر الحاضر،
(١) أنشده أبو عمرو بن العلاء رادًا على عمرو بن عبيد المعتزلي في مناظرة جرت بينهما، كما تراه في: «مجالس الزجاجي» (ص ٦٢ - ٦٣)، «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٦/ ١٠٨١)، و «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٧٢ - ٧٣)، «الإبانة» (رقم ١٩٦٦)، «أخبار عمرو بن عبيد رقم (١٦) للدارقطني، تاريخ بغداد»، (٥/ ٩٩)، «المنتظم» (٨/ ٦١)، «عيون الأخبار» (٢/ ١٤٢، ط. المصرية)، البصائر والذخائر (١/ ١٧٧)، «المنية والأمل» (ص ١٧٢ - ١٧٣)، «مدارج السالكين» (١/ ٣٩٦)، «تهذيب الكمال» (٢٢/ ١٣٠)، «تهذيب التهذيب» (٨/ ٧١)، «الميزان» (٣/ ٣٧٨). (٢) لشيخ الإسلام «قاعدة في الاستحسان» مطبوعة، فصل في مدى حجيته، وانظر: «الموافقات» (٥/ ١٩٣ - ١٩٩، ٢٢٨، ٢٣٣) وتعليقي عليه، وشرحي على «الورقات» المسمى التحقيقات والتنقيحات السلفيات (ص ٥٩٦ - ٦٠٧).