للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾ أي: أتجعلون له ولدًا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لأنفسكم الذكور؟ فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت قسمة ضيزى، أي: جورًا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا، ثم قال تعالى منكرًا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: من تلقاء أنفسكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئًا يحصل له، وقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي: إنما الأمر كله لله، ملك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (١). اهـ.

[فصل]

قال محمد تقي الدين: فائدة: الحلف بغير الله من الشرك، قال النبي : «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، رواه (أ) (ت) عن ابن عمر وإسناده حسن. وقال النبي : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). ومتى فشا ظلام الشرك في قوم وغاب عنهم نور التوحيد كثر فيهم الحلف بغير الله، فإذا تاب الواحد منهم من الشرك تبقى فيه عادة الحلف بغير الله، ويجري على لسانه دون أن يقصده (٤)، فمن وقع له مثل ذلك فكفارته أن يقول:


= خالد بن الوليد أنه مرّ على اللات فقال: فذكره … دون ذكر بعث النبي له.
(١) انظر: تفسير ابن كثير (١٣/ ٢٦٦ - ٢٧٠) بتصرف.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) قال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٦١٢): «قال الخطابي: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظم، فإذا حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد.

<<  <  ج: ص:  >  >>