للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على أنَّ الله سبحانه كفى نبيه والمؤمنين شر هذه الخطيئة، فإنه أطلع نبيه عليها فأرسل الفرسان الثلاثة، وجاؤوا بالكتاب، فبقي أهل مكة في غفلة حتى أخذوا على غرة، والنبي أحلم الناس وأحزمهم، والجمع بين الحلم والحزم هو الكمال.

قال محمد تقي الدين: فائدة ثانية من والى العدو فهو عدو، قال الشاعر (١):

تُحِبُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني … صَديقُكَ إِنَّ الحُبَّ عَنْكَ لَعَازِبُ

ولا يتم توحيد أحد ولا يكون مخلصًا دينه الله حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي الله ويعادي الله، ولا يداهن أحدًا من المشركين، بل يعلن لهم عداوته لدينهم وتبرؤه منه، وقد وضح الله ذلك بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ أي: اقتداء في إبراهيم والذين معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فمن أقرَّ أهل الشرك على شركهم فهو مشرك، وإن كان يعتقد بطلان الشرك وصحة التوحيد.

ألا ترى أن الله سبحانه سمى علماء اليهود مؤمنين بالطاغوت، لما استحسنوا ما عليه المشركون حين ذهبوا إلى مكة ليحرضوا أهلها على قتال النبي ، فسألهم أهل مكة: أينا أهدى سبيلًا نحن أم محمد؟ فقال علماء اليهود أنتم أهدى سبيلًا، فأنزل الله تعالى فيهم من سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١، ٥٢] (٢) ولم يكن اليهود يؤمنون بطاغوت أهل مكة، ولكن لما أقروهم على ذلك سماهم الله مؤمنين به، هذا في الموالاة في الدين.

وأما المعاملة في أمور الدنيا كالبيع والشراء ونحوه فجائزة، ومعاملة المعاهدين بالعدل والبر جائزة، لقوله تعالى في هذه السورة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ


(١) البيت في «المختار من شعر بشار» (٢٣)، ونسب لصالح بن عبد القدوس في «حماسة البحتري» (١٧٦ - ١٧٧)، وللعتابي في «عيون الأخبار» (٣/ ٦)، و «العقد الفريد» (٢/ ٣٠٧)، ولعبد الله بن مخارق في «الحماسة البصرية» (٢/ ٤٣) وهو بغير عزو في «الصداقة والصديق» (٤٦).
(٢) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>