ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، فلجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) معناه: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يضام من لاذ بجانبك، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك، ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم، ومستثنى منه ما تقدم أيضًا، لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأولى بعينها.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢) والغني هو الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء، سبحان (٣) الله الواحد القهار، والحميد المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره ولا رب سواه (٤).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: فائدة: قصة حاطب بن أبي بلتعة تدل على بعد نظر النبي ﷺ وسعة حلمه وكرمه، فإنه غفر لهذا الرجل هذه الخطيئة مع شدة خطرها، لأنها سيئة واحدة تقابلها حسنات كثيرة، وأعظمها كونه من أهل بدر، قال الشاعر وأجاد:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع (٥)
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «قال مجاهد». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس». (٣) كذا في مطبوع ابن كثير. وفي الأصل: «سبحانه». (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٣/ ٥١٣ - ٥١٥). (٥) البيت في «نفح الطيب» (٧/ ١٥٢ - ط. دار الفكر) من غير نسبة.