عن أذاك، فقلت: وهل يسكن هذا البيت غيري مع أهل بيتي؟ فقال لي: نحن نعتقد أن الجن يسكنون تحت الأرض. فقلت: لا تظن أني أبخل عليك وعلى البنائين والعملة بذبيحة وطعام، ولكني أريد أن أثبت لك أنه لا سلطان للجن على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانهم على الذين يتولونهم بالذبح والخوف والتعوذ بهم من دون الله، ولذلك سأسكن هذا البيت، وأتحدى الجن أن يجهدوا جهدهم في إلحاق الضرر بي وبأهل بيتي إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وبعد أن أسكن شهرًا كاملًا ويظهر له ولأمثاله أن الجن لا يستطيعون أن يؤذوا من يوحد الله حينئذ أذبح ذبيحة وأدعوه مع أصحابه للغداء.
وكذلك فعلت، فلما مضى الشهر الأول، وتبين له فساد اعتقاده دعوته للغداء. وكذلك وقع لي في مكناس حين أردت أن أشتري هذا البيت الذي أسكن فيه الآن، قالت لي المرأة التي كانت هناك: إنَّ سكان هذا البيت طيبون، لا يضرون أحدًا، فقلت لها: وهل يسكن فيه غيركم؟ فقالت: أقصد الذين تحت الأرض، فضربت الأرض بقدمي، فقلت لها: إن سمحتم لهم بالسكني معكم فأنا لا أسمح لهم أن يدخلوا بيتي لا فوق الأرض ولا تحت الأرض، فهل يدفعون معي شيئًا من الثمن أو يستأجرون جزءًا من البيت؟! فضحكت المرأة وتعجبت من كلامي.
وكان في بلد مغربي لا أسميه سترًا على من سأحكي عنه، فقيه قاض من كبار القضاة كانت ابنته مريضة، فدعا لها ساحرًا ليخرج منها الجن ويكتب لها تعويذًا (حجابًا) ليكف عنها أذى الجن فكان يخلو بها في غرفة واحدة ليلًا ونهارًا، وهذا العمل لا يرضى به إلا ديوث جاهل (١)، وكان هذا الفقيه السفيه إذا أراد أن يدخل الحمام يستأجره ساعتين ليلًا ويستخدم شابًا أعمى يناوله الماء ويغسل جسمه ولا يرى عورته.
ومن شدة خوفه من الجن كان يتملق لهم عند دخول الحمام، ويقول: يا سادتي نسألكم الضيافة لوجه الله، ونسألكم أن لا تؤذونا جزاكم الله خيرًا، وحاشاكم أن تؤذوا من يستجير بكم، فكان الأعمى يسمع ذلك ويفهمه فإذا جلس الشيخ وشعر بحرارة الحمام واستراح ينصب له الأسطال سطلًا فوق سطل حتى
(١) انظر ما قدمناه قريبًا من حال الراقين، وتجاوزاتهم الشرعية.