بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت (١) كلمة الإسلام: «لا إله إلا الله محمد رسول الله أي: لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه إلا بما (٢) جاء به الرسول ﷺ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها (٣)، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥]» (٤).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: فائدة التكرار الواقع في هذه السورة بليغ، والغرض منه التوكيد، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] وكقول النبي ﷺ حين استأذنه عكرمة بن أبي جهل في إنكاح علي بن أبي طالب أخته: «لا آذن ثم لا آذن»(٥).
وهذه طريقة معروفة في اللغة العربية وفي سائر اللغات السامية، وهذه السورة يجب على كل مسلم أن يعتقد ما دلت عليه ويعمل به، فيتبرأ من جميع المشركين، ولا يتحقق توحيد إلا بذلك، وقد تقدم هذا المعني في مواضع من هذا الكتاب، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله. اهـ.
وكان الفراغ منه يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة ١٣٩٥ بدار السلفي الصالح الحاج محمد الفلالي بمدينة فاس، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد ﷺ أن يعيننا، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ويختم لنا بالحسنى. اهـ.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «كان». (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «ما»! (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بها الله». (٤) انظر: تفسير ابن كثير (١٣/ ٤٨٤، ٤٨٦ - ٤٨٩). (٥) أخرجه البخاري (٣١١٠)، ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة.