الثاني: إنهم يجوّزون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إليها حالة الصلاة، نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن.
قوله:«فقد نهى عنه في آخر حياته» أي: كما في حديث جندب، وهذا من كلام شيخ الإسلام، وكذا ما بعده.
قوله:«ثم إنه لعن، وهو في السياق من فعله» كما في حديث عائشة.
قلت: فكيف يسوغ بعد (٢) هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تُعظم القبور ويبنى عليها ويصلى عندها وإليها؟ هذا أعظم مشاقة ومحادة الله تعالى ولرسوله ﷺ لو كانوا يعقلون.
وقوله:«والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد» أي: من اتخاذها مساجد، الملعون فاعله، وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها.
السابع: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»(٣). رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم، قال ابن القيم (٤)﵀: وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن رسول الله ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه (٥): صيغة (لا تفعلوا) وصيغة «إني أنهاكم عن ذلك». ليس لأجل
(١) بعدها في مطبوع «الفتح»: «لهم». (٢) في مطبوع «الفتح»: «مع». (٣) أخرجه أحمد (٣/ ٨٣، ٩٦)، والترمذي (٣١٧)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، والدارمي (١/ ٣٢٣)، وأبو يعلى (١٣٥٠)، وابن خزيمة (٧٩١)، وابن حبان (١٦٩٩، ٢٣١٦، ٢٣٢١)، والحاكم (١/ ٢٥١)، والبيهقي (٢/ ٤٣٥) عن أبي سعيد مرفوعًا، وروي عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا، كما عند ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٩)، وعبد الرزاق (١٥٨٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، وأبو يعلى (١٣٥٠)، والبيهقي (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥). ووصله خمسة - وأكثرهم ثقات - وأرسله الثوري وحده، ومع هذا قال الدارقطني في «العلل» (٤/ ق ٣): «والمرسل المحفوظ». وهذا الذي رجحه الترمذي، إلا أن الحديث صحيح بشواهده، انظر: نصب الراية (٢/ ٣٢٤) و «التلخيص الحبير» (١/ ٢٧٧). (٤) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٠٨). (٥) كذا في مطبوع «الفتح»، وفي الأصل: «بصيغته».