ثُمَّ إِنَّ الحَافِظَ ضَاقَ صَدْرُهُ، وَمَضَى إِلَى "بعْلَبَكَّ" فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً يُقْرِأُ الحَدِيْثَ، وَكَانَ المَلِكُ العَادِلُ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ، فَقَالَ أَهْلُ "بَعْلَبَكَّ" لِلْحَافِظِ: إِنِ اشْتَهَيْتَ جِئْنَا مَعَكَ إِلَى "دِمَشْقَ" نُؤْذِي مِنْ آذَاكَ، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى "مِصْرَ" وَلَمْ يَعْلَمْ أَصْحَابُنَا بِسَفَرِهِ، فَبَقِيَ مُدَّةً بِـ"نَابُلُسَ" يُقْرِأُ الحَدِيْثَ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَهَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَكُنْتُ أَنَا فِي ذلِكَ الوَقْتِ بِـ"مِصْرَ" أَسْمَعُ الحَدِيْثَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُخَالِفِيْنَ هَذِهِ القَضِيَّةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ: فَقَالَ: اجْتَمَعَ الشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ وَالمَالِكَيَّةُ عِنْدَ المُعَظَّمِ عِيْسَى (١)، وَالصَّارِمِ بُزْغُشَ (٢) وَالِي القَلْعَةِ، وَكَانَا يَجْلِسَانِ بِدَارِ العَدْلِ لِلْنَّظَرِ فِي المَظَالِمِ، قَالَ: وَكَانَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ إِحْضَارِ اعْتِقَادِ الحَنَابِلَةِ، وَمُوَافَقَةِ أَوْلَادِ
(١) هُوَ عِيْسَى بنُ أَبِي بَكْرِ بنِ أَيوبَ، ابنُ أَخي صَلَاحِ الدِّيْنِ (ت: ٦٢٤ هـ) صَاحِبُ "دِمَشْقَ" وَ"بَيْتِ المَقْدِسِ" وَغَيْرِهِمَا. وَمَعَ أَنَّهُ مِنَ السَّلَاطِيْن وَالمُلُوكِ هُوَ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لَازِمَ تَاجَ الدِّيْنِ الْكِنْدِيِّ .. وَقَرَأَ عَلَيْهِ "الكِتَابَ" لِسِيْبَويْهِ، وَكِتَابَ "الحُجَّةِ فِي القِرَاءَاتِ" لأبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ وَ"الحَمَاسَةَ" وَحَفِظَ "الإيْضَاحَ" عَلَيْهِ، وَسَمِعَ "مُسْنَد الإِمَام أحمدَ بن حَنْبَلٍ" وَلَهُ "دِيْوَانُ شِعْرٍ" وَمُصنَّفٌ في العَرُوْضِ، وَجَعَلَ لِمَنْ عَرَضَ "المُفَصَّلَ" مَائَةَ دِيْنَارٍ، وَلِمَنْ عَرَضَ "الجَامَعَ الكَبِيْرَ" مَائِتيْ دِيْنَارٍ. وَكَانَ قَدْ شَرَحَهُ بِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِ. وَكَانَ حَنَفِيًّا مُتَعَصِّبًا لِمَذْهَبِهِ. أَخْبَارُهُ فِي: الكَامِلِ (١٢/ ١٩٥)، وَمِرْآةِ الزَّمَانِ (٨/ ٦٤٤)، وَمُفَرِّجُ الكُرُوْبِ (٤/ ٢٠٨)، وَالجَوَاهِرِ المُضِيَّةِ (١/ ٤٠٢)، وَحُسْنِ المُحَاضَرَةِ (١/ ٢١٩)، وَالشَّذَرَاتِ (٥/ ١١٥).(٢) صَارِمُ الدِّيْنِ بُزْغُشُ العَادِلِيُّ الأمِيْرُ (ت: ٦٠٨ هـ) أَخْبَارُهُ فِي ذَيْلِ الرَّوْضَتَيْنِ (٨٠)، وَالمُقَفَّى الكَبِيْرِ للمَقْرِيْزِيِّ (٢/ ٤١١).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.