وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً يَحْضُرُ دُرُوسَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَوَلِي القَضَاءِ بِبعْضِ أَعْمَالِ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ نِيَابَةً عَنْ قَاضِي القُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ بنِ بِنْتِ الأعَزِّ؛ لِفَضِيْلَتِهِ، وَإنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَنْبَلِيٍّ حَكَمَ بِالدِّيَار المِصْرِيَّةِ فِي هَذَا الوَقْتِ، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّيْن بْنُ العِمَادِ قَضَاءَ القُضَاةِ للحَنَابِلَةِ اسْتِنَابَهُ مُدَّةً. ثُمَّ تَرَكَ ذلِكَ، وَرَجعَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةَ سِنِيْنَ إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، يُدَرِّسُ الفِقْهَ بِحَلْقَةِ لَهُ فِي الجَامِعِ، وَيَكْتُبُ خَطَّهُ فِي الفَتَاوَى، وَبَاشَرَ الإِعَادَةَ بِـ"المَدْرَسَةِ الجَوْزِيَّةِ" بِـ"دِمَشْقَ" قَبْلَ سَفَرِهِ إِلَى "الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ"، وَبَعْدَ رُجُوْعِهِ. وَبَاشَرَ الإِمَامَةَ بِهَا أَيْضًا، ثُمَّ أَمَّ بِمِحْرَابِ الحَنَابِلَةِ بِالجَامِعِ، ذَكَرَ ذلكَ قُطْبُ الدِّيْنِ اليُوْنَيْنِيُّ، وَقَالَ: كَانَ فَقِيْهًا، إِمَامًا، عَالِمًا، عَارِفًا بِعِلْمِ الأُصُوْلِ وَالخِلَافِ، حَسَنَ العِبَارَةِ، طوِيْلَ النَّفَسِ فِي البَحْثِ، كَثِيْرَ التَّحْقِيْقِ، حَسَنَ المُجَالَسَةِ وَالمُذَاكَرَةِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي الحَقِيْقةِ (١)
= النِّهَايَةِ (٢/ ١٥)، وبُغْيَةِ الوُعَاةِ (٢/ ٢٥٠)، وَالدَّارِسِ فِي تَارِيخِ المَدَارِسِ (١/ ١٩٠).(١) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: "وَحَدَّثَنِي ابنُ تَيْمِيَّةِ شَيْخُنَا، عَنْ نَاصِرِ الدِّيْنِ إِمَامِ "النَّاصِرِيَّةِ" أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ في حَلْقَةِ ابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فَرَآهُ يَشْرَحُ "التَّائِيَّةِ" لابنِ الفَارِضِ، قَالَ: فَلَمَّا رُحْتُ أَخَذَنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، وَانْحَرَجْتُ وَقُلْتُ: لأَنْكُرِنَّ غَدًا عَلَيْهِ وَأَحُطُّ عَلَى هَذَا الكَلَامِ. قَالَ: فَلمَّا حَضَرْتُ وَسَمِعْتُ الشَّرْحَ لذَّلِيْ وَحَلَا، فَلمَّا رُحْتُ فَكَّرْتُ فِي الكَلَامِ الَّذِي شَرَحَهُ، وَفِي الأبْيَاتِ، فثَارَتْ نَفْسِي، وَعَزَمْتُ عَلَى الإنْكَارِ، فَلمَّا حَضَرْتُ لَذَّ لِي أَيْضًا، وَاسْتَغْرَقَنِي، أَصَابَنِي ذلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قُلْتُ: مَا أَمْلَحَ مَا مَثَّلَ بِهِ شَيْخُنَا إِبْرَاهِيْمُ الرَّقيُّ كَلَامَ ابنِ العَرَبِيِّ وَابْنِ الفَارضِ. قَالَ: مِثْلُهُ مِثْلُ عَسَلٍ أُذِيْفَ فيه سُمٌّ فَيَسْتَعْمِلَهُ الشَّخْصُ وَيَسْتَلِذَّ بِالعَسَلِ وَحَلَاوَتهِ، وَلَا يَشْعُرُ بالسُّمِّ، فَيَسْرِيَ فِيْهِ وَهُوَ =
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.