أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا (١) بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وقد روى العوفي عن ابن عباس في تفسيرها يقول: «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال (٢)». وقال: كذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من [شركهم بالله وكفرهم به](٣) ما ضر ذلك شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم. قلت: ويشبه هذا [قول الله](٤) تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] والقول الثاني في تفسيرها: ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وهكذا قال الضحاك وقتادة (٥).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: إنما سقت هذه الآيات وتفسيرها لقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا عام في جميع الظالمين، يدخل فيه الذين ظلموا أنفسهم بالشر والكفر، ويدخل فيه الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الرسول وعدم اتباعه والاكتفاء بتقليد الرجال، كل هؤلاء الظالمين يندمون يوم القيامة على عدم اتباع الرسول، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا للتكفير عن ذنوبهم باتباع الرسول، وهيهات هيهات!
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «أحل»! (٢) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقط من الأصل. وأثر ابن عباس أخرجه ابن جرير (١٣/ ٧٢٥) ولم يعزه في «الدر» (٨/ ٥٦٨) إلا له. (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «كفرهم بالله وشركهم به». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «إذا قوله». (٥) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٢٣٠ - ٢٣٢)، وأثر ابن عباس والضحاك أخرجهما ابن جرير (١٣/ ٧٢٢)، وكذا في «الدر» (٨/ ٥٦٨) أثر ابن عباس لابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو في «صحيفة علي بن أبي طلحة» (رقم ٦٨٤).