للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«وهذا الحديث نص قاطع وبرهان ساطع على رد التقليد؛ لأنه إذا لم يسع موسى النبي إلا اتباعه ، فمن ذاك الذي يجب تقليده واتباعه في الدين؟ وفي لفظة: «البيضاء النقية» (١) إشارة إلى أن أحكامها لا تحتاج إلى مزيد إيضاح بإلحاق الأقيسة والآراء، وضم التفاريع المبنية على الأهواء؛ لأنها إذا كانت محتاجة إلى ذلك، فلا يصح القصر عليها. وإنما يستقيم اتباعها إذا ثبت كونها كاملة (٢) واضحة غير خفية، وهي كذلك ولله الحمد.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

فهذا الملة الحنيفية السمحة السهلة البيضاء النقية، أدلتها وافية كافية شافية لفصل جميع الخصومات وقطع المنازعات، وقضايا الحوادث [الآتية] (٣)، بعموماتها وخصوصاتها، لا ملجأ لعارفها إلى إدراك ما قرره أهل الرأي، وحرره أصحاب البدع والأهواء. ولولا ذلك لما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ثم قيده بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فأفاد أن الرد عند التنازع إلى غيرهما مناف للإيمان، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرد ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.

إنك يا مسكين! إذا تأملت في صنائع أهل الرأي والهوى أدركت أن كل آفة وقعت في الإسلام، وكل غربة جاءت فيه إنما نشأت من عدم الرد إلى الله ورسوله، والرد إلى الأحبار والرهبان، وتقديم أقوالهم على الآيات البينات والأحاديث الصحيحات، بنوع من التحريف والتأويل والانتحال، اللهم وفقنا لصالح الأعمال، وجنبنا عما يهلكنا في الحال، أو في المال.

وفي حديث جابر أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله بنسخة من


= «الأقوال القويمة» للبقاعي (ص ١١٢ - ١١٤، ٢٦٨، ٣٦٢)، وهو قيد النشر، يسر الله ذلك بمنه وكرمه.
(١) سبق تخريجه.
(٢) بعدها في مطبوع «الدين الخالص»: «تامة».
(٣) في مطبوع «الدين الخالص»: «الآتيات».

<<  <  ج: ص:  >  >>