لأن لفظ الذين من ألفاظ العموم، ولا داعي إلى تخصيصه بأهل الكتاب أو الصحابة، بل هو عام في كل من عرف الحق واعترف به، يدلنا على ذلك أن كثيرًا من أهل الكتاب يعترفون بأن هذا القرآن حق ويهدي إلى صراط مستقيم، مع أن هذا الزمان من شر أزمنة الإسلام أو هو شرها على الإطلاق، فإنه لم يبلغ من الضعف فيما مضى مثل ما بلغ في هذا الزمان، ومن أراد أن يرى البرهان على ذلك؛ فليقرأ كتاب «رجال ونساء أسلموا»، وكتاب «لماذا أسلمنا» وكلاهما طبع وانتشر بالإنكليزية والعربية.
ومن عرف أن ما أنزل إلى رسول الله ﷺ هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد لا بد أن يتبعه مع بيان النبي ﷺ ويقنع به، ويرى ما سواه باطلًا وهو الرأي والتقليد والتمذهب والتفرق والاستغناء بآراء الرجال عن هذا الحق المبين.
قال العلامة المحقق فخر بلاد شنقيط، بل فخر بلاد المغرب في هذا الزمان محمد بن أبي مدين في كتابه «الصوارم والأسنة في الذب عن السنة» ما نصه: «قال العلماء: التقليد لغة: جعل القلادة في العنق، ومنه تقليد الولاة الأعمال، والبدن ما تعرف به، وشرعًا: أخذُ مذهب من ليس قوله إحدى الحجج الأربع الشرعية بدون واحدة منها، فالرجوع إلى الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو القياس الجلي ليس تقليدًا بل هو اتباع (١)، وإن شئت قلت: هو قبول مذهب الغير من دون مطالبة بحجة. اهـ.
وله حدود [أخرى](٢) لكن لا يسلم أكثرها من إشكال واعتراضات. اهـ.
قال الحافظ السيوطي في كتابه «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض»(٣) ما نصه.
«اعلم أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف جماعة لا يحصون في [ذمه](٤)، فممن صنف في ذلك المزني صاحب الإمام الشافعي، ألف كتاب «فساد التقليد» نقل
(١) كذا في مطبوع «الصوارم»، وفي الأصل: «اتباعه». (٢) في مطبوع «الصوارم»: «أخر». (٣) (ص ١١٧، ط. الكتب العلمية). (٤) في مطبوع «الرد على من أخلد إلى الأرض»: «ذم التقليد».