معشر المقلدين قد نزلت (١) جميع الصحابة والتابعين وجميع علماء الأمة إلا من قلدتموه (٢) في مكان من (٣) لا يعتد بقوله ولا ينظر في فتواه إلا لإعمال الفكر في الرد عليهم إذا خالف قولهم قول متبوعهم، فإذا خالف قول متبوعهم نصا عن الله ورسوله فالواجب - عندهم - التكلف في إخراج ذلك النص عن دلالته والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم، فيا الله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعة كادت تثل عرش الإيمان، وتهد ركنه لولا أن الله ضمن لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بإعلائه (٤) ويذب عنه، ومن أعجب أمركم أنكم أقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله وكلام رسوله مع سهولته وقرب مأخذه واستيلائه على أقصى غايات البيان واستحالة التناقض والاختلاف عليه، فهو نقل محض (٥) عن قائل معصوم، وقد نصب الله سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبين لعباده ما يتقون، فادعيتم العجز عن معرفة ما نصب عليه الأدلة وتولى سبحانه بيانه، ثم زعمتم أنكم عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، فعجبا كل العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق ولم يهتد إليها واهتدى إلى أن متبوعه أولى بالصواب ممن عداه، ولم ينصب الله على ذلك دليلا واحدا، وطريقة أهل العلم سلفا وخلفا طلب النظر في أقوال العلماء وضبطها وعرضها على القرآن والسنن وأقوال الخلفاء الراشدين، فما وافق ذلك قبلوه ودانوا الله به وأفتوا به، وما خالف ذلك منها ردوه ولم يلتفتوا إليه، وما لم يتبين لهم جعلوه من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبته من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولون إنها الحق دون ما خالفها.
وأما هؤلاء الخلف؛ فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين؛ فزيفوا كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وأصحابه، فعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقه منها انقادوا له مذعنين، وما خالف أقواله منها لم يقبلوه، واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن، وتطلبوا لها وجوه الحيل التي تردها، فإذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها، قائمة فيها شنعوا على منازعهم وأنكروا عليه
(١) في مطبوع «الإعلام»: «أنزلت». (٢) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل: «قلدوه»! (٣) من مطبوع «الإعلام». (٤) في مطبوع «الإعلام»: «بأعلامه» .. (٥) في مطبوع «الإعلام»: «مصدق».