يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: كل من اتصف بذلك سيصير (١) إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قال ﵎: ﴿هَذَا هُدًى﴾ يعني: القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المؤلم الموجع، والله ﷺ أعلم» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: هذه الشعوب التي تدعي الإسلام قد نبذت كتاب الله وراء ظهورها، وآمنت بالتشبه بالأجانب واتخاذهم أربابًا، واقتباس قوانينهم وعاداتهم، فما زادتهم إلا خبالًا، فهم أحقر الناس وأخسر الناس وأفقر الناس، وإن كانت الأموال الكثيرة بأيديهم، فهم كما قال الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ … والماء فوق ظهورها محمول
بل كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] فأسفار العلم فيها الهدى والنور وفيها الحياة والرفعة والعيشة الراضية، ولكن الحمار إذا حملها لا تصل إلى قلبه ولا يناله منها إلا الثقل والعناء، فهذا القرآن الذي أحيا الله به شعوبًا ورفعهم من حضيض الهوان إلى أوج العزة والسعادة مهجور عند هؤلاء منبوذ لا يستضاء بنوره، ولا ينتفع بحكمه، ولا يستفاد من أحكامه، فاعجبوا يا أولي الأبصار ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] لكان هذا القرآن ولكن إنما ينذر به ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فقلوبهم أقسى من الحجارة صم بكم عمي فهم لا يفقهون.
ثم قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص»(٤/ ٣٢٧) ما نصه:
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «سيصيرون». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٣٥٨).