«الوجه السادس والعشرون: إن دعوة الرسول ﷺ عامة لمن كان في عصره، ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
الواجب على مَنْ بعد الصحابة، هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنوعت صفاته وكيفياته، باختلاف الأحوال.
ومن المعلوم - بالاضطرار - أن الصحابة لم يكونوا يعرضون ما يسمعون منه ﷺ على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله، ولم يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي أصلًا، وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا به.
وهو - بعينه - الواجب علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته ولا هو مختص بالصحابة، فمن خرج عن ذلك، فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله» (١).
أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين وقال ﷻ ههنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] أي: وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضًا فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهلاكًا ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهو تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧](٢).
فصل
قال محمد تقي الدين: تقدم في كلام ابن القيم الكلام في هذه الآية ونظائرها وبيّن بغاية الوضوح أنهما أمران لا ثالث لهما: إما اتباع الوحي، وإما اتباع الهوى، والتقليد ليس من اتباع الوحي يقينًا، فهو إذًا من اتباع الهوى،