قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ إلى آخره عام يشمل كل مطيع، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ يشتمل كل معرض عن الكتاب والسنة، سواء أكان مرتدًا يصرح بأن الكتاب والسنة لا يصلحان لهذا العصر، أو مبتدعًا مقلدًا يقدم رأي شيخه وإمامه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن الله يعذبهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة.
قال صاحب «الدين الخالص»(٤/ ٣٣١) ما نصه:
ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين وأين أمركم رسول الله ﷺ بأخذ قول واحد من الأئمة بعينه، وترك قول نظيره؟ ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة رسول الله ﷺ إلى أنه أمر بما لم يأمر به قط، يوضحه:
الوجه الرابع والثلاثون: إن ما ذكرتم بعينه، حجة عليكم. فإن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فهذا هو الذكر الذي أمرنا باتباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله.
وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به، لم يسعه غير اتباعه، وهذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال، فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله ﷺ أو فعله، أو سنه، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين، خصوصًا عائشة، عن فعل رسول الله ﷺ في بيته، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط.
وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميًا أو كوفيًا، أو بصريًا (١).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (٩٤ - ٩٥)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٩)، و «المدخل» (١٧٣، ١٧٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦، ١٧٠)، وابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ٧٥).