الحنفية أم محمد بن علي (١)، فأين هذا من فعل المقلدين لمتبوعهم؟
وخالفه في أرض العنوة، فقسمها أبو بكر، ووقفها عمر (٢)، وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية، ورأى عمر المفاضلة (٣)، ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف، وصرح بذلك فقال:«إن أستخلف [فقد استخلف] أبو بكر، وإن لم أستخلف، فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف».
قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ فعلمت أنه لا يعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وإنه غير مستخلف (٤)، فهكذا يفعل أهل العلم حين يتعارض عندهم سنة رسول الله ﷺ وقول غيره، لا يعدلون بالسنة شيئًا سواها. لا كما يصرح به المقلدون. وخلافه له في الجد، والإخوة (٥) معلوم أيضًا.
الثالث: أنه لو قدّر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين، ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم، فإن كان - كما زعمتم - لكم أسوة بعمر، فقلدوا أبا بكر، واتركوا تقليد غيره، والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد، ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر.
الرابع: إن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيى منه عمر؛ لأنهم
(١) هي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة، وكانت أمة سوداء من سبي بني حنيفة، ولم تكن منهم، انظر: «طبقات ابن سعد» (٥/ ٦٦). (٢) انظر الروايات في ذلك عند أبي عبيد في: «الأموال» رقم (٥٨، ٥٩)، وأبي يوسف في «الخراج» (٢٦، ٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٣٤)، وابن حزم في «المحلى» (٧/ ٣٤١، ٣٤٤)، وانظر: صحيح البخاري (٢٣٣٤)، و «مسند أحمد» (١/ ٣١)، وتوجيه قول عمر في المسألة في «المغني» (٢/ ٧١٦)، و (٨/ ٣٧٩)، و «الرخصة العميمة في قسمة الغنيمة لابن الفركاح، ورد النووي عليه في وجوب قسمة الغنيمة كلاهما بتحقيقي - يسر الله نشرهما - و «موسوعة فقه عمر» (٦٢ - ٦٤). (٣) أما عمر: فقد روى البخاري في «صحيحه» (٤٠٢٢) في (المغازي)، من طريق إسماعيل بن قيس قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، وقال عمر: لأفضلنهم. (٤) أخرجه مسلم (١٨٢٣) من حديث ابن عمر. (٥) خرجناه في التعليق على «الموافقات» (٥/ ١٦١) للشاطبي، وجميع الأمثلة السابقة عند ابن حزم في الإحكام» (٦/ ٦٦) وقال: «وفي غير ذلك كثيرًا بالأسانيد الصحاح، المبطل لقول من قال: إنه كان لا يخالفه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». ونقلها عنه ابن القيم في «الإعلام». ونقلها المصنف عن ابن القيم، رحم الله الجميع.