قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾؛ يعني: هونا قراءته. وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس:«لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ﷿».
(قلت) ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف»(١) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا، والله الحمد والمنة. وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من (٢) منزجر عن المعاصي، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن مطر - هو الوراق - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: هل من طالب علم فيعان عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير (٣)) (٤).
فصل
قال محمد تقي الدين: إن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف والعيون العمي والآذان الصم، ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينتفع بالنذر، والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به، فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه، حتى أنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين. يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع (لكنو) - مدينة مشهورة بالهند - فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه:
(١) أخرجه البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨) من حديث عمر. (٢) من مطبوع «تفسير ابن كثير» وسقط من الأصل. (٣) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (٢٢/ ١٣٢)، والدارمي (١/ ٩٩)، وأبو نعيم (٣/ ٧٦)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٩٤٥)، وعزاه السيوطي في «الدر» (٦/ ١٣٥) إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم، وعلقه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).