في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين، تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة، وجدنا فيها رجلا ذا لحية سوداء، جالسا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة، فسلمنا عليه فرد علينا السلام، ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي جزء من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت أنا: من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدئا بالآية التي طلبت أنا فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه، وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة، حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا أعتقد أن هذه الطفلة لو وجدت من يعلمها معنى القرآن ولغة القرآن والسنة التي تبين معناه لتعلمت ذلك في أقرب وقت. فيا أسفا على هؤلاء الذين وهبهم الله القرآن يقرأ عندهم صباح مساء، وهم في ظلماتهم يتخبطون، لا يتدبرونه ولا يتعظون به، ولا يتأدبون بأدبه، ولا يستضيئون بنوره، أولئك هم الخاسرون، وأعطينا ذلك الرجل شيئا من الدراهم، وقد سرنا غاية السرور، ولم ينقض عجبنا مما رأينا وسمعنا.
قال صاحب «الدين الخالص»(٤/ ٣٣٩) ما نصه:
«الوجه الأربعون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: «قد سن لكم معاذ فاتبعوه»(١).
فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله وهل صار ما سنه معاذ سنة إلا بقوله:«فاتبعوه» كما صار الأذان سنة بقوله وإقراره وشرعه (٢)، لا بمجرد المنام؟
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٩٥)، والطيالسي (٥٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٦)، وأبو داود (٥٠٦، ٥٠٧)، والشاشي (٢/ ١٣٦٢، ١٣٦٣)، وابن خزيمة (٣٨١ - ٣٨٣)، والطحاوي في «المشكل» (٤٧٨)، والطبراني (٢٠/ رقم ٢٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٧٤)، والبيهقي (١/ ٣٩١، ٤٢٠ - ٤٢١ و ٤/ ٢٩٦ و ٤/ ٢٠٠)، وصححه شيخنا الألباني لشواهده، وهو حديث طويل جدا، والمذكور قطعة يسيرة منه. (٢) حديث رؤية الأذان في المنام هو حديث عبد الله بن زيد، وله طرق عن عبد الله، أحدها: طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن