وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله تعالى، كما فعل أهل الكتاب الذين بدلوا كتبهم وحرفوها وأولوها، فبعث الله محمدًا ﷺ بشرع كامل شامل يدعو الجميع إلى ما يقربهم إلى الجنة وما يبعدهم عن النار.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ روي الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ، فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله يده على سلمان الفارسي، ثم قال:«لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء»(١).
ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق بالسند إلى أبي هريرة به، ففي هذا دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم يدعوهم، [إلى الله]، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره (٢).
قال (ك): يقول تعالى ذامًا لليهود الذين أعطوا التوراة وحُمِّلوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي: إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملًا حسّيًا لا يدري ما عليه، وكذلك اليهود في حملهم التوراة التي أوتوها حفظوها لفظًا ولم يفهموها ولا عملوا بمقتضاها، بل أولوها وحرفوها (٣) وبدلوها، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ
(١) أخرجه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦)، والترمذي (٣٣٠٧)، والنسائي في «الكبرى» (٨٢٧٨، ١٨٥٩٢)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٥٥)، وابن جرير (٢٢/ ٦٣٠) كلاهما في «التفسير». (٢) انظر: «تيسير العلي القدير» (٤/ ٣٦١). (٣) كذا في مطبوع «تيسير العلي القدير»، وفي الأصل: «وصرفوها».