للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل

قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ في هذا الزمان يقول الجهال الأغمار المتأثرون بالدعاية الاستعمارية استعمارًا روحيًا وهو شر من الاستعمار المادي: ما فائدة الإيمان بالله ورسوله؟ أين النور الذي أنزله الله بزعمكم أيها المؤمنون؟ فنقول لهم: اقرؤوا التاريخ العالمي لا الإسلامي وحده؛ لأنكم لا تؤمنون بالإسلام، تتيقنوا أن الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزله الله - وهو القرآن والسنة التي تشرحه - أحدث انقلابًا في جزيرة العرب لم ير الناس مثله في التاريخ، فقد كان العرب ثلاثة أقسام:

القسم الشرقي: يحكمه الفرس، والقسم الغربي: يحكمه البزنطيون اليونانيون، والقسم الأوسط: كان أهله فوضى كل قبيلة لها شيخ يتقاتلون فيما بينهم بالقتل والنهب والسبي، فما الذي غيّر حالهم وجعلهم أمة واحدة خرجت من الشتات إلى الاجتماع، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضعف إلى القوة، ومن مساوئ الأخلاق، إلى مكارم الأخلاق ومن كونها محكومة إلى كونها حاكمة، ومن التوحش إلى أعلى درجات المدنية؟ وسبب ذلك هو الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزله الله.

وقد تقدم نقل كلام (١) الملحد الكبير الذي هو عدو جميع الأديان: جوزيف ماك كيب الذي ترجمت كتابه وقد تقدم ذكره (٢) قريبًا، اعترف بأن دعوة محمد والقرآن هو الذي نفخ في العرب روح الحياة وفتح بصائرهم لتحصيل المدنية، وقد نقل هذا الرأي عن جميع العلماء الأحرار من الأوروبيين والأمركيين وهو واضح ومن أراد اليقين فليقرأ كتابي «مدنية المغاربة في إسبانيا» (٣).

فأنتم ترون الأوربيين الذين تحاولون تقليدهم كما يقلد القرد الإنسان والصبيان الرجال بلا علم ولا عقل، اعترفوا بهذا النور، فجحدكم له أنتم جهل وتأثر بالدعاية الكاذبة، وإذا اعترفت الرؤوس فلا عبرة بالأذناب، هكذا نقول للمتملحدين ولا نسميهم ملاحدة؛ لأن الملحد الحقيقي هو الذي يدرس التاريخ


(١) في الأصل: «الكلام»! والصواب هو المثبت.
(٢) (ص ١٦٦ - ١٦٧) انظر ترجمتنا للمصنف أول الكتاب والله الموفق للصواب.
(٣) هو ترجمة الهلالي لكتاب ماك كيب السابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>