للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا، لما يحصل به من الهدى كما سماه روحًا، لما يحصل به حياة القلوب، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا أكثر من مرة بما أغنى عن إعادته، والله الحمد والمنة» (١).

فصل

قال محمد تقي الدين: أعيد وأكرر أن كل شعب أو أمة أو فرد بلغه أمر ربه بواسطة رسل الله تعالى، فعصى أمره وكذب رسله؛ يعذبه الله في هذه الدنيا عذابًا أليمًا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولا يفلح أبدًا، فإن قلت: هذه الأمم الأوروبية نراها تعيش في سعادة دنيوية عزيزة منصورة موسعًا عليها في الرزق، مع أنها عتت عن أمر ربها؟ فالجواب: من بلغها الإسلام على وجهه ونحن نعلم أن ارتقاءها بدأ عند انحطاط المسلمين ورجوعهم إلى الوراء، اقرأ «المدنية المغربية في إسبانيا (٢) ترجمة مصنف هذا الكتاب وقد تقدم ذكره. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الذكر هو التذكرة والتبصرة، والذي جاء بها هو الرسول ومعه كتاب الله، فمن اتبع الكتاب والسنة خرج من الظلمات إلى النور، ومن أعرض عنهما بعد أن قامت عليه حجة الله خرج من النور إلى الظلمات، ومن الحياة إلى الموت إن كان قبل ذلك حيا، والمقلد الذي يرد نصوص الوحي تعصبًا لمن قلده أو يتحيل في ردّها بادعاء النسخ أو يقول: إمامي أعلم بها ما تركها إلا لعلة تارك للنور متخبط في الظلمات.

قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٧) ما نصه:

«الوجه الثاني والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شريح: أن اقض بما


(١) انظر: «تيسير العلي القدير» (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(٢) انظره (ص ١٢١، ط. المغربية) وسبق أن عرفت به في التعليق على (ص ١٦٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>