- لو فرضنا (١) له في ذلك - ما يسوغ تقليد من هو دونه بكثير، في كل ما يقوله، وترك قول من (٢) هو مثله، ومن هو فوقه، وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال وهو تعلق ببيت العنكبوت؟ فقلدوا عمر، واتركوا تقليد فلان وفلان.
فأما أنتم تصرحون بأن عمر لا يقلّد، وأبو حنيفة، والشافعي، ومالك يقلدون، فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟
الوجه الرابع والخمسون: قولكم: إن عمرو بن العاص قال لعمر - لما احتلم -: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال:«لو فعلت صارت سنة»(٣)، فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله.
وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه يفعل ذلك ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله ﷺ ما فعله عمر.
فهذا هو الذي خشيه عمر، والناس مقتدون بعلمائهم شاؤوا أم (٤) أبوا فهذا هو الواقع، وإن كان الواجب فيه تفصيل (٥).
(١) في مطبوع «الدين الخالص»: «لو فرض». (٢) كذا في مطبوع «الدين الخالص»، وفي الأصل: «ما»! (٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٥٠ - رواية يحيى و ١/ ٥٦/ رقم ١٣٧ - رواية أبي مصعب) عن هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص وذكر القصة. وظاهر الإسناد أن يحيى هذا لقي عمر ولكن الثابت في ترجمته أنه مات بعد المئة، فهو لم يدرك عمر قطعًا وأظنه سقط من السند - عن أبيه - إذ إن أباه عبد الرحمن له رؤية. وأخرج القصة البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ١٧٠)، وفي «المعرفة» (١/ ٢٦٥)، والخطيب في «التالي» (رقم ٢٠٣ - بتحقيقي) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن زبيد بن الصلت قال: صلى عمر … فذكره لكن ليس فيها موطن الاحتجاج: «لو فعلتها لصارت سنة»، وانظر: «الاستذكار» (٣/ ١١٦). (٤) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل و «الدين الخالص»: «أو». (٥) انظر: «الدين الخالص» (٤/ ٢٤٥)، وبنحوه في «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٦١ - ٥٦٢ - بتحقيقي).