قال محمد تقي الدين: فهمنا من هذا الكلام أن خزنة جهنم يقولون لكل جماعة تدخل النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ألم تبلغكم دعوة رسول من الرسل؟ فيجيبون بقولهم: بلى، قد جاءنا نذير فكذبناه، وقلنا له: ما أنزل الله عليك من شيء بل أنت ضال كاذب. وفرق التقليد وأصحاب الطرائق يقولون للرسول بلسان الحال وهو أبلغ من لسان المقال: أنت صادق آمنا بأن الله أنزل عليك كتابه وبعثك إلينا رسولًا وجعلك علينا حجة، ولكننا قد اتخذنا إمامًا من أمتك نعترف أنه يجوز عليه الخطأ والنسيان والجهل ويجوز كذلك عليه أن يزل، فنحن نعرض ما جئت به على مذهب إمامنا فما وافقه قبلنا، وما خالفه تحيلنا في رده وعادينا من يأخذ به، وحاربناهم وسميناهم وهابية وأصحاب مذهب خامس، فلا جرم أن هؤلاء أيضًا إذا لم يتوبوا وبقوا على اعتقادهم إلى الممات يدخلون جهنم ويجري عليهم ما جرى على المكذبين، راجع تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] في آخر سورة النور من هذا الكتاب.
قال صاحب «الدين الخالص»(٤/ ٣٥٣) ما نصه:
«الوجه الخامس والخمسون: قولكم: قد قال أبي: «وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه»(١)، فهذا حق. وهو الواجب على من سوى الرسول. فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه (٢) بعض ما جاء به، وكل من (٣) اشتبه عليه شيء، وجب عليه أن يكله إلى من هو أعلم منه فإن تبين له، صار عالمًا مثله وإلا وَكَله إليه ولم يتكلف ما لا علم له به فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا، وأقوال أصحابه، وقد جعل الله سبحانه، فوق كل ذي علم عليمًا (٤).
فمن خفي عليه بعض الحق فوَكَلَهُ إلى مَنْ هو أعلم منه، فقد أصاب، فأي شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارًا على ذلك، وترك النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه؟!
(١) سبق تخريجه. (٢) من مطبوع «الدين الخالص»، وسقطت من الأصل. (٣) من مطبوع «الدين الخالص»، وفي الأصل: «وكلما»! (٤) في مطبوع «الدين الخالص»: «عليم».