للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سعداء أقوياء، ولما تركوا إتباعهما فقدوا سعادتهم وقوتهم وعزتهم. ومن أسباب الإعراض عن الكتاب والسنة ظهور التقليد والطرائق التي فرقت المسلمين، فإن أرادوا استرداد ما فقدوا فليرجعوا إلى الكتاب والسنة.

قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧١) ما نصه:

«الوجه السابع والستون: قولكم: وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين، في جميع الصنائع والعلوم … إلى آخره؟

فجوابه: إن هذا حق لا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله، وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله، وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة لقوله، وترك أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله، فهل جعل الله ذلك في فطرة أحد من العالمين؟

ثم يقال: بل الذي فطر الله عباده (١): طلب الحجة، أو الدليل المثبت لقول المدعي، فركز سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله.

ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهين القاطعة، والحجج الساطعة، والأدلة الظاهرة، والآيات الباهرة على صدق رسله؛ إقامة للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدق خلقه، وأعلمهم وأبرهم، وأكملهم، فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس.

فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة توجب قبول قوله؟

والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة، وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم، لما جعل في فطر عباده من الانقياد للحجة وقبول (٢) صاحبها، وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض: مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم والانقياد للحجة، وتعظيم صاحبها، وإن خالفوه عنادًا وبغيًا، فلفوات أغراضهم بالانقياد. ولقد أحسن القائل:

إذا غاب (٣) وجهُ الحقِّ عن قلب سامع … فدَعْهُ فنورُ الحقِّ يسيرُ ويُشرقُ


(١) في مطبوع «الدين الخالص»: «فطر الله عليه عباده».
(٢) في مطبوع «الدين الخالص»: «قول».
(٣) في مطبوع «الدين الخالص»: «أبن».

<<  <  ج: ص:  >  >>