قال محمد تقي الدين: هذه السورة مكية نزلت قبل أن يأمر الله رسوله بقتال المشركين من أهل جزيرة العرب حتى يسلموا فلم يكن عليه إلا البلاغ، وأخبر الله تعالى أن من أعرض عن تذكرة النبي ﷺ، وكفر بها يعذبه الله العذاب الأكبر في الدنيا والآخرة، ومن ادعى أنه لم يكفر بها ولكنه امتنع من العمل بما جاء به الرسول ﷺ، كأهل هذا الزمان الذين يحلون الربا وشرب الخمر والزنا وغير ذلك فادعاؤهم الإيمان لا ينفعهم مثقال ذرة وسيعذبهم الله العذاب الأكبر، وقد فعل سبحانه فإن عجز ثمان مائة مليون عن مقاومة ثلاثة ملايين هو من العذاب الأكبر ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]، وكذلك المقلد الذي يأمره النبي ﷺ أن يصلي على هيئة مخصوصة أو يتوضأ أو يحج أو يعقد النكاح أو يؤتي الزكاة أو يبيع ويشتري وما أشبه ذلك، فيعصي أمر النبي ﷺ لأنه خالف مذهب إمامه أيضًا يعذبه الله العذاب الأكبر (١).
قال صاحب «الدين الخالص»(٤/ ٣٧٥) ما نصه:
«الوجه الثاني والسبعون قولكم: إن أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل.
جوابه: إنهم لم يفتوهم بآرائهم، وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم، وفعله، وأمر به، فكان ما أفتوهم به هو الحكم، وهو الحجة، وقالوا لهم:
هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل، وهو الحكم.
فإن كلام رسول الله ﷺ هو الحكم، وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس إذ ذاك، إنما يحرصون على (٢) ما قاله نبيهم وفعله، وأمر به. وإنما يُبلغهم الصحابة ذلك.
فأين هذا من زمان، إنما يحرص الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر،
(١) إن عامله سبحانه بعدله. وإلا فهو - كسائر من يأتي بالمعاصي - تحت مشيئة الله تعالى بخلاف المستحل للربا وشرب الخمر والزنا. (٢) بعدها في مطبوع «الدين الخالص»: «معرفة».