للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكلما تأخر الرجل أخذوا كلامه، وهجروا - أو كادوا يهجرون -، كلام من فوقه، حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم.

وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى إليهم.

وكلما بعد العهد، ازداد كلام المتقدم هجرا ورغبة عنه، حتى إن كتبه لا تكاد تجد فيهم (١) منها شيئا بحسب تقدم زمانه.

ولكن أين قال أصحاب رسول الله للتابعين: «لينصب كل منكم لنفسه رجلا يختاره ويقلده دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلق (٢) الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء، وعمن نصبتموه إماما تقلدونه، فخذوا بقوله، ودعوا ما بلغكم عن الله ورسوله».

فوالله لو كشف الغطاء لكم، وحقت الحقائق، لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل (٣)

سارت مشرقة وسرت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب (٤)

وقال آخر (٥):

أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يماني (٦)

الوجه الثالث (٧) والسبعون قولكم: إن التقليد من لوازم الشرع والقدر.

والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، كما تقدم بيانه من الأحكام.

جوابه: إن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من


(١) في مطبوع «الإعلام»: «عندهم».
(٢) في مطبوع «الدين الخالص»: «يتلقى».
(٣) بعدها في مطبوع «الإعلام»: «وكما قال الثاني».
(٤) ذكره في «تاج العروس» (٢٥/ ٥٠١ - شرق) بلا نسبة، وهو في «المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية» (١/ ٤١٦).
(٥) في مطبوع «الإعلام»: «وكما قال الثالث».
(٦) هو في ديوان عمر بن أبي ربيعة (ص ٥٠٣) - القسم المنسوب إليه -، وعزاه له: المبرد في «الكامل» (٢/ ٧٨٠ - ط. الدالي)، وأبو الفرج في الأغاني (٢/ ٣٥٩)، والبغدادي في «الخزانة» (١/ ٢٣٩).
(٧) كذا في مطبوع «الدين الخالص»، وفي الأصل: «الثاني»!

<<  <  ج: ص:  >  >>