ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة ولم يمر بباله أمر هو بين يديه حتى نهى عنه.
وكما خفي عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حتى قال: والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا (١)» (٢).
فصل
قال محمد تقي الدين ومقصود المصنف بسرد هذه المسائل، أن يقيم الحجة على المقلدين الذين يزعمون أن إمامهم وأهل مذهبهم أحاطوا علمًا بجميع المسائل وعرفوا جميع الأحاديث فإذا قيل لهم: لماذا لم تعملوا بهذا الحديث؟ أجابوا بقولهم: إمامنا أعلم به ولا يمكن أن يخفى عليه وما ترك العمل به إلا لعلة، إما أن يكون منسوخًا أو ضعيفًا عنده، أو عنده حديث آخر يعارضه، ولم نطلع عليه، فإذا رأوا أن كبار الصحابة يخفى عليهم كثير من السنن ويفتون بخلافها، حتى إذا ظهر الحق لهم ممن هو دونهم في العلم تركوا أقوالهم ورجعوا إليه، وهذا هو الواجب على كل مسلم، وإن كان أعلم الناس.
(١) أخرج البخاري في «الصحيح» كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه رقم (١٢٤٢) بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها - أي: قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ … ﴾ [آل عمران: ٤٤]؛ فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات. وأخرجه عن أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح ابن عبد البر في «الجامع» رقم (٢٣٨٧)، وابن مردويه؛ كما في «الدر المنثور» (٦/ ٨٩)، وتتمته وكيف لا ننكر أنفسنا والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. وروى البيهقي في «دلائل النبوة» (٧/ ٢١٧) عن عروة قال: لما توفي النبي ﷺ … ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فقال عمر: هذه الآية من القرآن؟ … وقال: قال الله لمحمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، وانظر: «الدر المنثور» (٤/ ٣٣٦ - ٣٣٨). (٢) انظر: «الدين الخالص» (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٦)، وبنحوه في «إعلام الموقعين» (٤/ ١٨ - ٢٤ - بتحقيقي).