ورواه البخاري، ولفظه:«فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».
وقال الإمام أحمد (١): بسنده عن أنس بن مالك، أن رجلًا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ:«أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿». وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، أي: لا تفتروا عليه، وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا، وتنزَّه وتقدَّس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلق الله (٢) قال له: كن، فكان، ورسول من رسله، ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿(٣)، وكانت تلك التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها، بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ﷿، ولهذا [قيل](٤) لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه؛ وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له: بها كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] إلى آخره. وقد بين ابن أبي
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٣) - ومن طريقه الضياء في «المختارة» (١٦٢٧) ـ، وعبد بن حميد (١٣٣٧)، والبخاري في «التاريخ الأوسط» (١/ ١١)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٤٨، ٢٤٩)، وابن حبان (٦٢٤٠)، والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٤٩٨)، والضياء في «المختارة» (١٦٢٦) وإسناده صحيح، وانظر: «الصحيحة» (١٠٩٧). (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «خلقه». (٣) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فكان عيسى بإذن الله ﷿ وصارت تلك النفخة في … ... .. ». (٤) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «قال»!