بِاللَّهِ﴾ هو قول جميع الأنبياء، وقول كل من اتبعهم وأسلم وجهه الله، وأخلص دينه له، وحقق اتباع الرسل، وهذا هو الأصل العظيم، والأساس المتين الذي لا يختلف فيه الرسل وأتباعهم، ومن لم يحققه كان سالكًا غير سبيلهم لا يستحق نصر الله، ولا ينجو من عذاب الله، وقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى آخره، حجة قائمة وحكمة بالغة، فإن من جعل في قلبه مكانًا لغير الله تعالى، يتشتت قلبه ويتفرق شمله، ويختل دينه وعقله؛ لأنه يخاف الله ويخاف غير الله، ويتمادى به الضلال إلى أن يخاف غير الله أكثر من خوفه الله، ويحب غير الله أكثر من حبه الله، ويعمل لغير الله أكثر من عمله الله.
ودونك مثالًا: لما كنت في الطريقة التجانية كنت ذات ليلة أطالع كتابًا شغفت به ومنعني النوم، فنظرت إلى الشمعة التي كنت أقرأ في ضوئها، وإذا بها تكاد تنتهي وليس لي غيرها، ولو فنيت لتوقفت عن القراءة وضاق صدري فلا أستطيع نومًا ولا أستطيع صبرًا إلى الصباح، فخرجت من البيت في منتصف الليل أبحث عن دكان أشتري منه شمعة، فمضيت أطوف الشوارع فوجدت الدكاكين كلها مغلقة، ولم أزل أتنقل من شارع إلى شارع وكان ذلك في مدينة (وجدة) حوالي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، وبعد طواف طويل، ظفرت بدكان، واشتريت منه شمعة، ولم تكن الكهرباء في ذلك الزمان موجودة في مدن المغرب، وفي ذهابي وإيابي كنت أمر بالسائلين، يسألون الناس، يقول أحدهم:«أعطوني شيئًا لوجه الشيخ عبد القادر الجيلاني» ويقول آخر: «أعطوني صدقة لأجل أهل وزان»، ويقول آخر:«أعطوني صدقة لوجه مولاي إدريس» ويقول غيره: «أعطوني صدقة لوجه الله فلم أبال بأحد منهم، فلما وصلت البيت وأنا شديد الشوق لقراءة الكتاب سمعت سائلًا يقول: «أعطوني صدقة لوجه السيد أحمد التجاني سمعته من بعيد فلم أستطع أن أحرمه، ورجعت إليه مسافة بعيدة، وأعطيته شيئًا من الدراهم فحينئذ طابت نفسي، فأنت ترى أنني في ذلك الزمان، كنت أحب مخلوقًا اتخذته إلهًا، وأخافه وأرجوه أكثر من حبي وخوفي ورجائي الله الخالق سبحانه، ولو أني سويت بين الخالق والمخلوق في الحب والخوف والرجاء لكنت من شرار الكفار.
كما قال تعالى في سورة الشعراء حكاية عن المشركين: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا