قال محمد تقي الدين: هذه آية عظيمة، والمسلمون في هذا الزمان في أشد الحاجة إلى تدبرها، فإن التتار هجموا على بلاد الإسلام (١) ولم يكن هجومهم في زمن دول الإسلام العظيمة الثلاث، وهي دولة الخلفاء الراشدين، ودولة بني أمية، وصدر دولة بني العباس، وكان هجومهم في زمان لا يخلو فيه المسلمون من ضعف وتفرق، ولكن كانت عندهم بقية من الإيمان وتحكيم شريعة الرحمن، فنصرهم الله على ذلك العدو القوي وبعد ذلك هجم عليهم عدو أقوى من الأول، وهم الصليبيون نصارى أوروبا كلهم بملوكهم وجيوشهم،
لشيخ الإسلام ابن تيمية «رسالة إلى السلطان الملك الناصر في شأن التتار» أوردتها بتمامها في كتابي «العراق في أحاديث وآثار الفتن» (٢/ ٧٣٧ - ٧٤٦)؛ المتأمل فيها، يتبرَّهن له صدق شيخ الإسلام، وصفاء سريرته، وحسن ربطه لما يقع في المسلمين من البلايا والمحن (سنة الله الكونية) بما ينبغي أن يكون عليه المسلمون (سنته الشرعية). فاسمع إليه، وانظر حولك، وتفقد تجد، قال رحمه الله تعالى عن البلاء الذي وقع بالمسلمين آنذاك: «وقد أظهر الله في هذه الفتنة (١) من رحمته بهذه الأمة وجُنْدِها ما فيه عبرة، حيث ابتلاهم بما يُكفِّر به من خطاياهم، ويُقبل بقلوبهم على ربهم، ويجمع كلمتهم على ولي أمرهم، ويَنزِعُ الفُرقة والاختلاف من بينهم، ويُحرِّك عَزَّماتِهم للجهاد في سبيل الله وقتال الخارجين عن شريعة الله. فإن هذه الفتنة التي جرت - وإن كانت مؤلمةً للقلوب - فما هي - إن شاء الله - إلا كالدواء الذي يُسقاه المريض ليحصل له الشفاء والقوة، وقد كان في النفوس من الكبر والجهل والظلم ما لو حصل معه ما تشتهيه من العِزّ لأعقبها ذلك بلاء عظيمًا. فرحم الله عباده برحمته التي هو أرحم بها من الوالدة بولدها، وانكشف لعامة المسلمين شرقًا وغَرْبًا حقيقة حال هؤلاء المفسدين الخارجين عن شريعة الإسلام، وإن تكلموا بالشهادتين، وعَلِمَ مَنْ لم يكن يعلم ما هم عليه من الجهل والظلم والنفاق والتلبيس والبعد عن شرائع الإسلام ومناهجه، وحَنَّتْ إلى العساكر الإسلامية نفوس كانت معرضةً عنهم، ولانَتْ لهم قلوب كانت قاسية عليهم، وأنزل الله عليهم من ملائكته وسكينته ما لم يكن في تلك الفتنة معهم، وطابت نفوس أهل الإيمان ببذل النفوس والأموال للجهاد في سبيل الله، وأعدُّوا العدة لجهاد عدو الله وعدوهم، وانتبهوا من سِنَتِهم، واستيقظوا من رقدتهم … » في كلام بديع يستفيد منه أهل البصائر العاملون لتحقيق الولاية الله ورسوله والمؤمنين.