يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة (١) لا تملك لأنفسها (٢) ولا لعابديها بطريق الأولى ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ أي: لا تحمل لهم (٣) منفعة، ولا تدفع (٤) عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله ومن عبد الله وحده لا شريك له، فهو (٥) على نور من ربه، ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون مخلوقه (٦) من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» (٧)، وكما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك، حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده (٨) إلا بإذنه ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣، ٩٥] فإذا كان الجميع عبيدًا له فلم يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان، بل لمجرد (٩) الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هم الآلهة». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لنفسها». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تحصل». (٤) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «ترفع» بالراء! (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وهو». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أنها مخلوقة». (٧) سبق تخريجه. (٨) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عنده أحد». (٩) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «بمجرد».