للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدًا أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل (١)، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، فـ ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٢)، أي: مقيمون (٣) على عبادتها ودعائها ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠].

فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلْتَخْلُص إلي بالمساءة فإنّي عدو لها لا أبالي بها (٤) ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٧١]، وقال هود : ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال (٥): ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨١] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]؛ يعني: لا إله إلا الله (٦).

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أي: هو


(١) دليله: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١].
(٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «مقيمين».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أباليها».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال».
(٦) ورد هذا التفسير عن غير واحد من السلف، وانظر: «تفسير ابن وهب» (٢/ ١٤٦) و «تفسير مجاهد (٢/ ١٨٥)، والدعاء» للطبراني (١٥٤١، ١٥٤٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>