للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخالق الذي قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه فكل يجري على [ما قدر له] (١) وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي: هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيى به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿وَنُسْقِيَهُ (٢) مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩].

وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا كما قال تعالى أمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخر السورة، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] وكذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي: هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي (٣): لا يقدر على غفران (٤) الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو الفعال لما يشاء.

وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، هذا سؤال من إبراهيم أن يؤتيه ربه حكمًا، قال ابن عباس: «وهو العلم» (٥)، وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي عند الاحتضار: «اللهم في الرفيق الأعلى (٦)» قالها ثلاثًا، وفي (٧) الحديث في الدعاء: «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين،


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «قدر».
(٢) كذا مطبوع «تفسير ابن كثير» وفي الأصل: «يسقيه»!
(٣) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هو الذي».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «غَفْر».
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٨١) (رقم ٥٧٠٧).
(٦) أخرجه البخاري (٦٥٠٩)، ومسلم (٢١٩١) من حديث عائشة.
(٧) من مطبوع «تفسير ابن كثير» وسقط من الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>