قال (ك): يقول تعالى محقرًا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني، بقوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: وثواب الله خير من الدنيا وهو باق سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي. ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الحياة (١) الدنيا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات، وترك المحرمات (٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ قال صاحب «اللسان»(٣): «الفواحش: القبائح من القول والفعل، والمراد هنا كبائر الذنوب والإثم. ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: سجيَّتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس، وقد ثبت في الصحيح» أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أعظم العبادات. قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية. ولهذا كان النبي ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ﵃(٥) اجتمع رأي الصحابة كلهم الله على تقديم عثمان عليهم (٦). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب، وقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين (٧)، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى.
(١) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير». (٢) انظر: «تفسر ابن كثير» (١٢/ ٢٨٥). (٣) نقله المصنف ﵀ من «لسان العرب» (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦ - فحش) بتصرف. (٤) أخرجه البخاري (٦١٢٦)، ومسلم (٣٥٦٠) من حديث عائشة. (٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أجمعين». (٦) انظر: «المجالسة رقم (٢٤٠) وتعليقي عليه. (٧) بعدها في مطبوع تفسير ابن كثير»: «أذلة».