أمر دينه ولم يطالبه بدليل؛ لأنه بالغ في تعظيمه حتى جعل رأيه مغنيًا عن كتاب الله وسنة رسوله، فقد اتخذ من دون الله وليًا وأشرك به في عبادته فحبط عمله، وهذا ينطبق على غلاة المتمذهبين وأصحاب الطرائق القدد والمتحزبين في هذا الزمان، أحزابًا سياسية ينطح بعضها بعضًا وكلهم خاسرون.
قال (ك): ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال (١): «عما بلغوا»(٢)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: «يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون»(٣)
وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ؛ يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير؛ لأنه تعالى الشهيد (٤) على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا
(١) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ويسأل المرسلين». (٢) أخرجه ابن جرير (١٠/ ٦٤)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٥/ ١٤٣٩)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٧) لابن المنذر والبيهقي في «البعث» وهو غير موجود في المطبوع منه. (٣) أخرجه ابن جرير (١٠/ ٦٤ - ٦٥)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٤٤٥) وهو في «الدر المنثور» (٣/ ٦٧) من تمام الأثر السابق. (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «شهيد».