أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد: المشركون، وقيل: المنافقون، فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك. قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا، لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح.
[ثم أخبر الله تعالى أن هذا النوع من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُ﴾ أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه، ولهذا قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة الله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا. ولهذا شبههم بالأنعام في قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾](١).
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم ولا قصد لهم صحيح، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.
روى البخاري (٢): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحييكم﴾ لما يصلحكم، ثم روى بسنده إلى أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ فدعاني، فلم أته حتى صليت ثم أتيتُه، فقال:«ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم﴾ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج»، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرت له، وقال معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بهذا سمع وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني» (٣). هذا لفظه بحروفه.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحييكم﴾ قال مجاهد (٤): للحق، وقال قتادة (٥): هو
(١) هذا النقل الذي بين المعقوفتين من «تيسير العلي القدير» (٢/ ٢٨١)، وهو غير موجود في «تفسير ابن كثير». (٢) انظر: «البخاري» (كتاب التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ … ﴾). (٣) أخرجه البخاري (٤٦٤٧) وغيره. (٤) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقطت من الأصل! (٥) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقطت من الأصل!