للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بين الأمة أبدًا، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم، وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة. وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شَرْع غيره الباطل، قالوا: وقد أخبر النبي عن ربه أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح (١) إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه إذ السكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرَّم شبه ووصف جامع أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسًا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلًا لحكمه»».

ومضى إلى أن قال: «وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه، وهو الحق، وقسم افتري عليه فيه (٢) وهو ما لم يأذن فيه، فأين أذن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه؟ وأن نقيس القصدير على الذهب والفضة؟ والخردل على البر؟ فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعًا وطاعة الله ولرسوله، وإلا فإنا قائلون لمنازعينا (٣): ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فما لم تأتنا به وصية من عند الله على لسان رسوله ، فهو عين الباطل. وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله فلم يبح لنا قط أن نرُدَّ ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا


(١) في مطبوع «الإعلام»: «يباح»، وانظر لفظ الحديث المومأ إليه في هذا الكلام مع تخريجه في (ص ٢٧٠).
(٢) من مطبوع «الإعلام»، وسقط من الأصل!
(٣) كذا في مطبوع «الإعلام»، وفي الأصل: «لمنازعين».

<<  <  ج: ص:  >  >>