الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال قبح الافتراء.
قلت: وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته بالتحليل والتحريم، والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعًا مستقلًا: ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم، وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم، المرفوع حكمه عن العباد، مع كون مَّنْ قلدوه متعبدًا بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها، ومحكومًا عليه بأحكامها كما هم محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلًا معمولًا به!! وقد أخطؤوا في هذا خطأ بينًا وغلطوا غلطًا فاحشًا، فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدًا له واقتداء به. وما جاء به المقلدة في تحسين هذا الباطل، فهو من الجهل العاطل.
اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما نظفر به بما هو الحق عندك يا وهاب الخير. قال النسفي (١): «الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء: جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، وإلا فهو مفتر على الديان»» (٢).
وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٢٩٣) في الرد على المقلدين الذين يحلون ويحرمون بآرائهم وآراء غيرهم، بدون دليل من الكتاب والسنة.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ولم يقل: إلى أقيستكم (٣) وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة