به، التاركين كل ما نهاهم عنه أن لهم أجرًا عظيمًا حسنًا في الدنيا والآخرة، يمكثون أي: يبقون فيه أبدًا لا ينتهي بالموت ولا ينقطع بعده، فكل من بلغه وأعرض عنه يناله البأس الشديد، ويلزمه الشقاء في الدنيا والآخرة، وليس له عن ذلك محيد، وهذه الأمم التي سعدت به نراها شقية بتركه، تتخبط في ظلمات الجهل، قد انسدت الأبواب في وجوهها، فلا تجد مخرجًا ولا مفرًا، ومن المعلوم أن القرآن لا يمكن الاهتداء به إلا بمعرفة بيان الرسول الذي جاء به.
قال (ك): «أي إذ سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء بل قل في مثل هذه (١): ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه (٢) عليه من خلقه، هذا الذي قلناه قاله غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أبصره! وما أسمعه! يعني: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: أنه تعالى له الخلق والأمر لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير تعالى الله وتقدس» (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: فسروا الحكم في قوله تعالى بالقضاء، أي لا يشرك الله تعالى في قضائه أحدًا. ومعنى الحكم أعم من ذلك، فقد قال الله تعالى في شأن المهاجرات
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هذا». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أو من أطلعه الله». (٣) انظر: تفسير ابن كثير (٩/ ١٢٥ - ١٢٦) بتصرف.