للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الثاني]

قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠].

قال (ك): «قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: التوراة حلالها وحرامها وما فرق الله بين الحق والباطل، كما أن كل الكتب السماوية مشتملة على هذا، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب، وهداية وخوفًا وإنابة وخشية، ولهذا قال تعالى: ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيرًا لهم وعِظَة ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني: القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] ﴿أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: أفتنكرونه (١) وهو في غاية الجلاء]؟» (٢).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له وتتبع رسله وكتبه، وبذلك وحده تسعد الأمة وتنكشف عنها الغمة وتنتصر على أعدائها ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهها، والفرقان الذي أعطاه الله تعالى أمة محمد ، والضياء والذكر أفضل من كل ما أعطى من قبلها، ولكن هذا الضياء وهذا الفرقان وهذا الذكر لا يتذكر به ولا ينتفع به إلا المتقون الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وكل من مات فقد قامت قيامته الصغرى، وأخذ يواجه مصيره ويجد ما قدمه ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾


(١) كذا في مطبوع «التيسير»، وفي الأصل: «فتنكرونه»!
(٢) انظر: «تيسير العلي القدير» (٣/ ١٧١ - ١٧٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>