قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ وإن خالفك الكافرون الذين لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لأن حالهم في عدم سماع الحق يشبه حال الموتى الذين تعطل سمعهم بالموت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لك من ينفعه سمعه وبصره الخاضع الله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم السلام (١).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ ابن كثير الله في تفسير هذه الآيات، وغرضي أنا منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، إن القرآن في هذا الزمان يقرأ ويحفظ أكثر مما كان يقرأ ويحفظ في زمان النبي ﷺ والصحابة أضعافًا مضاعفة، ولكن هل يحصل به من الهدى والرحمة ما كان يحصل به في ذلك الزمان؟ الجواب: لا ثم لا؛ لأنه في ذلك الزمان كان تعلمه الله وقراءته الله مصحوبة بتدبر وخشوع يعمل به ويحكم به ويتأدب بأدبه، وفي هذا الزمان عكس ذلك، فالانتفاع بالقرآن كالانتفاع بالدواء، إذا استعمل حسب ما وصف الطبيب وتجنب المريض ما نهاه عنه طبيبه من المأكولات والمشروبات نفعه الدواء، وإذا استعمله على خلاف ذلك لا ينفعه بل يضره وقد جاء في الخبر:«رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه»(٢). وذلك واضح في الظالم الذي يقرأ القرآن فيقرأ فيه ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٨] وفي الكاذب الذي يقرأ القرآن فيقرأ فيه: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] وفي الذي يقرأ القرآن ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر فيقرأ فيه ﴿لُعِنَ الَّذِينَ
(١) انظر: «تيسير العلي القدير» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥). (٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» (١/ ٣٦٤) بلفظ: «رب تال … » من قول أنس، وهو ليس بحديث، لا أصل له.