للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذي حرمها فصارت حرامًا شرعًا وقدرًا، كما ثبت في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه» (١). وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب (الأحكام)، ولله الحمد والمنة.

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: الموحدين المطيعين له، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُو الْقُرْآنَ﴾ أي: على الناس أبلغهم إياه ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أي: الله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بل هو شهيد على كل شيء. قال ابن أبي حاتم عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله : «يا أيها الناس لا يَغْتَرنَّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة» (٢). وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين (٣) - إما له وإما لغيره -:

إذا ما خلوت الدهر يومًا، فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ ولكن قُلْ: علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعةً … ولا أن ما تُخفي عليه يغيب (٤)


(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٣٧)، والديلمي في «الفردوس» (٨١٦٧) وإسناده ضعيف جدا، فيه أبو أمية بن يعلى الثقفي، متروك، وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٢١٤).
(٣) ذكرهما لأحمد - أو تمثله بهما - في: «الحلية» (٩/ ٢٢٠)، «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٠٥)، «طبقات الحنابلة» (١/ ٨٣)، «مناقب الإمام أحمد» (ص ٢٦٥)، «عين الأدب والسياسة» (ص ١٨٦)، و «المنهج الأحمد» (١/ ٢٥) ووقع اضطراب في نسبتها، بينته في تعليقي على «المجالسة» (٤/ ١٠٤ - ١٠٥) للدينوري، فانظره غير مأمور.
(٤) انظر: «تيسير العلي القدير» (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>