للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكذلك المنتفع بالدين على صنفين:

أحدهما: عالم عابد متفقه، متفهم معلم، كالطائفة الطيبة من الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ ونفع الله بها الناس.

والثاني: عالم معلم غير متعبد بالنوافل لم يتفقه فيما جمع من العلم كالأرض الجدبة التي أمسكت الماء وانتفع به الناس.

وأما من لم يرفع رأسه، ولم يلتفت إلى العلم قطعا، أو التفت ولم يعمل به مطلقا ولم يعلم أحدا، سواء دخل في الدين أو لم يدخل، وبقي كافرا، فهو كالقاع لم يمسك ماء، ولم ينبت كلا، هذا خلاصة ما ذكره شراح «صحيح البخاري» (١).

قال في الترجمة: ويمكن أن يقال: إن القسم الأول عبارة عمن تعلم واجتهد، واستنبط المعاني والنكات والأسرار وشرح وبين كالفقهاء المجتهدين، والعلماء المتقنين (٢) المحققين، فإنهم كالأرض المنبتة للكلأ النابت من الأرض وثمراتها ونتائجها.

ومصداق القيعان طوائف أهل البدعة والمحدثات من سائر الفرق الإسلامية الماضية، والحاضرة، والآتية إلى قيام الساعة، فإنهم لم يرفعوا رؤوسهم بالهدى والعلم، ولم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله إليهم، بل قدموا بدعهم على السنن، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولا شيء أشق عليهم من تلاوة آية من كتاب أو ذكر حديث (٣) صحيح عند المناظرة في المسائل والأحكام، وإذا حررت لهم رواية من كتب الرأي، وصحف الفقه وذكرت قولا لإمام، برقت أساريرهم، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وما أجمع هذا الحديث للفوائد الكثيرة.

وبالتأمل فيه تظهر الفوائد الغزيرة لمن رزقه الله فهما صحيحا، وقلبا سليما، وألقى السمع وهو شهيد.


(١) انظر «فتح الباري» (١/ ١٧٥ - ١٧٧)، و «عمدة القاري» (٢/ ٧٦ - ٧٧) و «شرح ابن بطال» (١/ ١٦٣ - ١٦٤) و «شرح الكرماني» (٢/ ٥٥ - ٥٨).
(٢) كذا في مطبوع «الدين الخالص»، وفي الأصل: «المتقين»!
(٣) بعدها في مطبوع «الدين الخالص»: «من».

<<  <  ج: ص:  >  >>