للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عباس (١) وغيرهم من الصحابة (٢)، وذكرناه نصًا عن الأئمة الأربعة وغيرهم وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال، فهذه الآية من أكبر الحجج عليكم وأعظمها إبطالًا للتقليد.

وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧] فما ذكرتم بعينه حجة عليكم؛ لأن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر وهو القرآن والحديث، فهما الذكر الذي أمر الله من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر، فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه، هذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال، فكان ابن عباس يسأل الصحابة عن ما قاله رسول الله أو فعله لا يسألهم عن غير ذلك، وكان الصحابة يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة عن فعله في بيته، وكان التابعون يسألون الصحابة عن فعل نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: «أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميًا كان أو كوفيًا أو بصريا» (٣)، ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه أو مذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه».


وعلق ابن وهب عنه بسند صحيح أنه كان إذا لم يجد في الأمر يُسأل عنه شيئًا، قال: «إنْ شئت أخبرتكم بالظن» ذكره ابن عبد البر في «الجامع» (١٤٤٣) وصح عنه قوله لجابر بن زيد: «إنك من فقهاء البصرة، وتستفتى، فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية» أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٤) - ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٥٤٠) - والدارمي (٢/ ١٦١)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٦٣)، وأبو نعيم (٣/ ٨٦)، والهروي في «ذم الكلام» (٢٨٢) وإسناده صحيح.
(١) أخرج البيهقي في «المدخل» (٨٣٥، ٨٣٦)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٤)، وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٩٩)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٧٧) بسند صحيح عنه قوله: «ويل للأتباع من عثرة العالم» وفسر (العثرة) بقوله: «يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع من هو أعلم برسول الله منه، فيخبره، فيرجع، ويقضي الأتباع بما حكم» وورد عنه غير ذلك، فلينظر: «الإعلام» (٢/ ١٠٨ - ١٠٩ و ٣/ ٤٥٥)، و «الموافقات» (٤/ ٩٠ و ٥/ ١٣٤)، وتعليقي عليهما.
(٢) ذكره بإسهاب ابن القيم في «الإعلام» (٢/ ٩٩ - ١١٤) عن جمع منهم رضوان الله عليهم.
(٣) بنحوه في آداب الشافعي ومناقبه (٩٥)، و «الحلية» (٩/ ١٧٠)، «الانتقاء» (٧٩)، «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٦) للبيهقي، «معنى قول الإمام المطلبي» (٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>