وفي «الصوارم والأسنة» نقلًا (١) عن «إعلام الموقعين» ما نصه (٢):
قال شمس الدين ابن القيم في كتابه:«إعلام الموقعين عن رب العالمين» مجيبًا لهم عن هذه الحجج ما نصه:
«أما احتجاجكم على وجوب التقليد بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ (التوبة: ١٢٢) الآية فإن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذرهم (٣) به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي ﷺ في الجهاد، وليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم؛ بل هي حجة على فساده؛ لأن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم يأت بها فليس بنذير، ومن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، فإن سميتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فسموه ما شئتم، وإنما ننكر نصب رجل معين يجعل قوله عيارًا على القرآن فما وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل ويقبل قوله بغير حجة ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يُعلن إنكاره وذمه وذم أهله» (٤).
واحتجاجكم بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) فقد خفي عليكم أنهم إنما يطاعون إذا أمروا بأمر الله ورسوله، فطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول، ولم يُعِدْ العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعًا وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا سواء كان ما أمر به في القرآن أو لم يكن، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على السنة وإيثار التقليد عليها؟ وأولو الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ (٥) وابن مسعود (٦) وابن عمر (٧).
(١) انظر: «الصوارم والأسنة» (ص ٢١٦ - ٢١٩). (٢) وهذه النقول متقطعة من مواطن متعددة من الكتاب، وقد أشرت إلى كل موضع فيها. (٣) في مطبوع «الإعلام»: «أنذروهم». (٤) انظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦ بتحقيقي) بتصرف. (٥) سيأتي عنه أثر يدل على ذلك (ص ٧٠)، وهناك تخريجه، وانظر: «الأعلام» (٢/ ١١١ - ١١٢). (٦) ورد عنه قوله: «لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا» انظره بتمامه مع تخريجه في (ص ٢١)، وأورد ابن القيم في «الإعلام» (٢/ ١٠٥ - ١٠٧) جملة من الآثار، وخرجتها في تعليقي عليه. (٧) أخرج أبو نعيم (١/ ٣٠٥) بسند ضعيف عن قوله: «من كان مستنًا، فليستن بمن قد مات»