فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش! والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة، وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب» (١).
فصل
قال محمد تقي الدين: وقد عامل أهل هذا الزمان الذين يدعون الإسلام من العرب وغيرهم هذا الكتاب العظيم بمثل ما عاملته قريش في أول الأمر، فوقعوا فيما أنذرهم به، ولا نجاة لهم منه إلا بالرجوع إلى الإيمان به واتخاذه إمامًا، والاستضاءة بنوره، ومن المعرضين عنه وعن السنة التي هي بيانه المقلدون الذين ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] فذرهم في غمرتهم حتى حين.
ثم قال صاحب:«الصوارم»: «والحق ما قاله ابن المبارك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وعن أبي الدرداء: «إن مما أخشى عليكم زلة العالم أو جدال المنافق بالقرآن»(٢). وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته: «إياكم وزيغة الحكيم، قالوا: وكيف هي؟ قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها، فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء.
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٢١٥ - ٢١٧) بتصرف. (٢) رواه أحمد في «الزهد» (٢/ ٦٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢١٩)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٨)، ورجاله ثقات، وفيه الحسن البصري وهو مدلس ولم يسمع من أبي الدرداء، فإسناده منقطع.