مُؤْمِنِينَ﴾ وكذلك لو أُنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التعن والعناد: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب لأنكروا (١) ذلك، فقالوا (٢): ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟ أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟ ثم قال ﷿: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ كما قال ﷾: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن جرير: معناه كأنّ من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول» (٣).
فصل
قال محمد تقي الدين: لا شك أن القرآن كان لأصحاب رسول الله والتابعين وسائر أهل القرون المفضلة هدى وشفاءً، هداهم الله به من الضلال وشفى به صدورهم مما كان فيها من الأمراض المعنوية، وفيه هدى وشفاء لكل من اتبعه من الجماعات والأفراد، وكل من عرف تاريخ الإسلام والشعوب التي سعدت به يعلم هذا يقينًا، ويعلم أن سبب شقائها هو الإعراض عنه، ومن جملة المحرومين مما فيه من الهدى والشفاء المقلدون وأصحاب الطرائق.
وفي «الصوارم» ما نصه:
«وفي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» لتقي الدين ابن تيمية ما نصه: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يجب الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله ﷿، وتجب
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «ولأنكروا». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقالوا»، والمذكور معنى ما عند ابن جرير في «التفسير» (٢٠/ ٤٥٠ - ٤٥١). (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧).