قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص»(٤/ ٣٢٨) ما نصه:
«الوجه الثلاثون: إنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين.
فإن كان قول من قلده - أولًا - هو الحق لا سواه، فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال.
وإن كان الثاني هو الحق وحده، فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق، وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حق، فهو أشد ضلالة (١)، ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة» (٢).
قال محمد تقي الدين: والمقلد لواحد من هذه المذاهب إما أن يكون عاقلًا رشيدًا، كالذي يسلم. فنسأل المقلدين: أي مذهب تختارونه له؟ فلا شك لا يتفقون على اختيار أبدًا، بل كل فرقة منهم تقول له يجب أن تدخل في مذهبنا، وتعدد له فضائله، ولا تبيح له أن يدخل في مذهب آخر فيبقى متحيرًا، وربما رجع إلى دينه الأول؛ لأنه إذا انضم إلى فرقة منهم أغضب الفرق الأخرى، وهذا ما قال الدكتور أمبدكار زعيم المتحررين من المنبوذين في الهند (٣)، فإن أصحابه الذين اقتنعوا بأن المنبوذية باطلة، وأن الله تعالى أعدل وأرحم من أن يحكم على أطفال بأنهم أنجاس محرومون يجب إبعادهم وتعذيبهم من خروجهم من بطون أمهاتهم إلى موتهم بسبب ذنوب ارتكبتها أرواحهم في التجسدات السابقة، هذا على فرض صحة عقيدة التناسخ، وهي فاسدة؛ فإن الأرواح لا تدخل الأجساد إلا مرة واحدة ثم ترجع إلى ربها لتلقى جزاء عملها، أجمعت على ذلك الديانات السماوية واتفق عليه جميع الرسل والأنبياء. سأل هؤلاء المتحررون الذين أنقذوا من المنبوذية زعيمهم الدكتور أمبدكار: في أي دين ندخل الآن بعد ما تحررنا من دين الهنادك؟ فقال لهم: أفضل الأديان.
(١) في مطبوع «الدين الخالص»: «أشد إحالة»، وله وجه. (٢) انظر: «الدين الخالص» (٤/ ٢٢٨)، وبنحوه في «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٢٧ - بتحقيقي). (٣) ظفرتُ بأكثر من مقالة للمصنف، يتكلم فيها عن هؤلاء المنبوذين وغيرهم، مما ينبئ عن معرفته التفصيلية بأحوال الهند، ولا غرو في ذلك، فقد عاش مدة هناك، وأفاد واستفاد، رحمه الله تعالى، ولينظر: «مقالات الهلالي»، يسر الله نشره بخير وعافية.