الحاجب»، وبعضهم زاد علة غير قادحة - على ما حققناه -، وهي جهالة أصحاب معاذ، ونحى بعضهم منحى آخر؛ فقال بعد أن اعترف بضعفه، وأنه لا يوجد له إسناد قائم: «لكن اشتهاره بين الناس وتلقيهم له بالقبول مما يقوي أمره»؛ كما فعل عبد الله الغماري في «تخريج أحاديث اللمع في أصول الفقه» (ص ٢٩٩)، وسبقه أبو العباس ابن القاضي فيما نقله عنه الحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٨٣)، وقال الغزالي في «المستصفى» (٢/ ٢٥٤): «وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنًا وإنكارًا، وما كان كذلك؛ فلا يقدح فيه كونه مرسلًا، بل لا يجب البحث عن إسناده»، وأطلق صحة الحديث جماعة من الفقهاء - أيضًا - كالباقلاني، وأبي الطيب الطبري؛ لشهرته وتلقي العلماء له، وكأني بالجورقاني يرد عليهم عندما قال في «الأباطيل» (١/ ١٠٦): «فإن قيل لك: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه؟ فقل: هذه طريقة، والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا غير هذا مما ثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم البتة»، وكذلك ابن الجوزي عندما قال في «العلل المتناهية» (٢/ ٢٧٢): «وهذا حديث لا يصح، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه». هل معنى حديث معاذ صحيح؟ اختلف العلماء: هل معنى هذا الحديث صحيح أم لا؟ فمن نفى صحة معناه؛ فنفيه لصحة مبناه من باب أولى؛ ولكن كان سبب صحة معناه عند بعضهم صحة مبناه؛ فكأنه صححه لشواهده، واعتدل الآخرون فنفوا صحته من حيث الثبوت، وأثبتوها من حيث الدلالة، وإن كان إطلاق ذلك لا يسلم من كلام ما سيتبين معك - إن شاء الله تعالى -. فممن صحح معنى الحديث، وانبني عليه تصحيحه لمبناه الإمام الذهبي؛ فقال في «مختصر العلل»: «هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه صحيح، فإن الحاكم يضطر إلى الاجتهاد وصح أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر». فتحسينه لإسناده غير صحيح؛ إذ لم يسلم من علة الإرسال، وجهالة الحارث؛ ولكن تصحيح معناه فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص صحيح، لا مجال للقول بخلافه، لا سيما أن شواهده كثيرة من نصوص أخرى تؤكد هذا المعنى. وأطلق ابن الجوزي تصحيح معنى الحديث في «العلل المتناهية» (٢/ ٢٧٢)، وإن كان يرى عدم ثبوته؛ فقال: « … ولعمري إن كان معناه صحيحًا، إنما ثبوته لا يعرف». قلت: وإطلاق تصحيح معناه فيه نظر؛ فمتنه لا يخلو من نكارة؛ إذ فيه تصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة؛ فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معًا، وعدم التفريق بينهما لما علم من أن السنة تبين مجمل القرآن وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه؛ كما هو معلوم، أفاده شيخنا الألباني في «السلسلة الضعيفة» رقم (٨٨١).